القانون الموحّد للأحوال الشخصيّة أولويّة

القانون الموحّد للأحوال الشخصيّة أولويّة

القانون الموحّد للأحوال الشخصية أولويّة

من الضروري والملحّ اليوم إقرار لبنان قانون موحّد للأحوال الشخصية يحقق المواطنة والعدالة والمساواة. وإن كانت الحقوق لا تحتاج مناسبة أو ظرف لإقرارها، إذ يجب أن تكون دومًا بوصلة المشرّع، لكن حتى إن دخلنا بمنطق الأولويات فإن إقرار قانون موحد للأحوال الشخصية يشكّل الآن أولوية من نواح عدة: حقوقياً، ولمواجهة الأزمة الاقتصادية، ولإسقاط النظام الطائفي المنتج للأزمات، وللسماح بمشاركة المرأة في صنع القرار، ولتعزيز المواطنة ومنطق الدولة في وقت تتحلل فيه مؤسساتها....
  
 إلا أنه وعلى العكس من المفترض، تسعى السلطة اللبنانية لفرض خطاب أولويات يهمّش أي من الحقوق ليتناسب ومصالحها، ويقنع المواطنين بالتنازل عنها بحجج واهية. فيتهرّب النواب من واجبهم في خضم الانهيار الاقتصادي، ويمتنعون عن سن القوانين التي ترسّخ الحقوق وتؤمنها لأصحابها، للحدّ من وحشية الأزمة على أولئك الذين ستسحقهم. 

وإن كانت الأزمة المالية حجّة السلطة لعدم تشريع الحقوق، ففي وقت تشتدّ فيه هذه الأزمة وتفتك تداعياتها بالفئات الأكثر تهميشًا، وبالنساء أكثر من الرجال، يصبح من الضروري الحدّ من تأثيرها على هذه الفئات، عبر التشريعات التي تمنح الحقوق لأصحابها وتحمي الأضعف. إذ لا تنفصل القضايا المعيشية عن الأحوال الشخصية التي تتحكم بطرق عيش وبمعيشة الأفراد، تحديداً النساء. 

العنف الاقتصادي في صلب القوانين الطائفية

فاليوم تعاني النساء أكثر من الرجال من تداعيات الأزمة المالية، بعدما مارس النظام وقوانين الأحوال  الشخصية عليهنّ لعقود عنفاً اقتصاديًا هائلًا. وبتن تعانين حتى في الحصول على القليل الذي منحته هذه القوانين مقابل إخضاعهنّ. 
فمثلًا تعاني كثيرات من عدم تنفيذ قرارات النفقة. وبسبب انتشار فيروس كورونا، فقدن إحدى وسائل الضغط المتمثلة بعقوبة السجن التي ما عادت تنفذ بحق المخالفين. والأسوأ أن قيمتها تراجعت أصلاً بسبب ارتفاع سعر صرف الدولار. أما الأخطر فهو اتجاه معدلات تزويج القاصرات للارتفاع، مع ما ينجم عن ذلك من عنف، وخطورة منحى الاتجار بالفتيات الذي تتخذه هذه الظاهرة خلال الأزمات. ما يؤكد الحاجة الفورية لإقرار قانون أحوال شخصية يحمي النساء والأطفال والمجتمع.
 
وحتى إن ناقشنا خطاب السلطة، فعندما نتحدث اليوم عن ضرورة إلغاء الطائفية السياسية نظراً للويلات التي جرّتها على لبنان، فإن إلغاءها مرتبط حكمًا بإقرار قانون موحّد للأحوال الشخصية. قانون الدولة لا قوانين الطوائف. إذ لا يمكن إلغاء الطائفية السياسية من دون إلغاء الطائفية المجتمعية، ومن دون اعتياد اللبناني على ممارسة المواطنة في حياته الأسريّة. 

كذلك هو الحال بالنسسبة لضرورة مشاركة المرأة في الحياة السياسية وفي صنع القرار، مشاركة فاعلة لا صورية. إذ تخضعها قوانين الأحوال الشخصية الطائفية لسلطة الرجل وتجبرها على طاعته تحت طائلة العقاب والانتقام منها إن رفضت، ما يمنعها من التقدم كصاحبة قرار. فلا يمكن تعزيز مشاركة المرأة  في الحياة السياسية، والسماح لها بالوصول لموقع القرار في وقت تخضعها فيه القوانين لطاعة الرجل، صاحب السلطة داخل المنزل.

فوحده القانون المدني للأحوال الشخصية قادر على إشراك المرأة في صنع القرار داخل العائلة. ما يخرجها عن وصاية الذكر ويجعلها في موقع مساوٍ له، فيدفعها أكثر باتجاه الشراكة في مختلف المواقع على صعيد المجتمع. لتصبح المرأة صانعة قرار، بعد أن تتحرر من قيود القوانين الطائفية التي تتفرّغ لقمعها.

القوانين الطائفية تعتدي على القضاء المدني

وبينما يفترض أن تفرض الدولة سلطتها، وأن لا تترك مواطنيها تحت رحمة ومزاجية السلطات الطائفية التي تراعي مصالحها فقط، تمادت قوانين الأحوال الشخصية الطائفية بالاعتداء على القوانين والقضاء المدني، واستولت على مساحته. فما عادت تقتصر سلطتها على مسائل الزواج والإرث، تجاوزتها لتمنع الدولة من سنّ تشريعات تتوافق ومصلحة مواطنيها والتزاماتها الدولية ، ومنعتها من حماية أطفالها. كما عرقلت القوانين الطائفية قرارات القضاء المدني، وكأن قضاء المحاكم الشرعية أقوى من قضاء الدولة صاحبة الشرعية.

بل وباتت المحاكم الطائفية عائقاً أمام تطوير القوانين، تعرقل أي محاولة لحماية أفراد الأسرة. وتجلى ذلك بوضوح عندما لم تسمح السلطات الطائفية بإلغاء المادة 522 من قانون العقوبات بالكامل. خشية أن يتعارض ذلك مع مصالح الطوائف التي تبيح تزويج الطفلات. وبقي من يجامع قاصراً مُعفى من العقاب والملاحقة في حال تزوّج بها. 

وفي الرد على السلطة أيضاً، لم يعد من المجدي الدخول في لعبة النفوس قبل النصوص. اللعبة التي تلجأ إليها للتهرب من واجباتها. وكأن المشرع خاضع لمزاج السلطات الدينية، بدل أن يكون سلطة ترسخ الحقوق وتشرع وفق مصلحة المواطن. إذ يملي الواجب على من يعمل بالتشريع أن يستبق المشكلات، وأن يمتلك بعد نظر فيشرّع لما فيه صالح الأجيال القادمة. وأن يساعد الناس على تطوير تفكيرها. وأن يعتمد في التشريع على حقوق الإنسان كمرجعية وحيدة تجمع بين أفراد المجتمع. 

المواطنة ليست خيار

وبعد فشل طرح القانون المدني الاختياري كمحاولة لمساومة الطوائف وارضائها، بات على الدولة أن تفرض قانونها. إذ ترفض السلطات الطائفية السماح حتى للمواطنين بالاختيار. فهي تدرك جيّدًا أنه متى ما أتيح للمواطنين الاختيار، سيختارون القانون المدني، ويبتعدون عن القوانين الطائفية التي تنتهك حقوقهم. وهنا يكمن رعب السلطات الطائفية التي تخشى أن تفقد سلطتها على أحوال الناس الشخصية فتخسر نفوذها وامتيازاتها.

كما أنّ إقرار قانون مدني اختياري للأحوال الشخصية، يضاف إلى القوانين الطائفية، سيكون أشبه بإضافة طائفة جديدة، إلى الطوائف الـ18. بدل إقرار قانون يحوّل الأفراد من رعايا طوائف إلى مواطنين، ويحصّنهم من ضغوط المجتمع التي تجبرهم على التنازل عن حقوقهم.

إضافة إلى ذلك، وانطلاقاً من المواطنة التي لا تحتمل استنسابية، ولأن علاقة الفرد بالدولة تتعلق بالنظام العام، وبمقابل مسؤوليات الدولة هناك واجبات على المواطنين الالتزام بها، فلا يمكن مطالبة الدولة بتأمين احتياجات المواطن ورفض الانتماء إليها، والانتماء للطوائف على حسابها. 

لذا من الضروري إقرار قانون مدني موحّد للأحوال الشخصية، قانون الدولة الذي لا تعتدي عليه أية قوانين طائفية. فلا يمكن للمواطن التنازل عن مواطنته واختيار قانون يفقده حقوقه ويهدر حقوق أجيال قادمة. 

 

بقلم الصحافيّة "مريم سيف الدين"